صوت سقوط التليفون على دواسة العربية كسر صمت الليل. عينه كانت متبتة في المراية، ملامحه اللي كانت متعودة على التكبر والبرود اتسلخت في ثواني وحل مكانها شحوب ميت. شفايفه بدأت تترعش، حاول ينطق، طلع صوته مبحوح ومكتوم كأنه بيغرق:— ر... ريم؟!ما لفتش وشي، ولا غيرت سرعتي. فضلت باصة للطريق قدامي، والمطر بيغسل الإزاز الأمامي وصوت المساحات بيتحرك بإيقاع بطيء ومر. عب:— مالك يا كريم؟
كأنك شفت عفريت... ما ردتش عليا، على فين المشوار؟ مد إيده بتردد كأنه عايز يفتح الباب ويهرب، بس صوت تكة السنتر لوك الكهربائي اللي قفلته بصباعي خلاه يتشنج في مكانه. بصيتله في المراية ببرود كامل، شيلت النضارة بإيد واحدة ورميتها على التابلوه، وبصيت في عينيه مباشرة من خلال المراية:— متستعجلش على النزول. الطريق لسه طويل... والجو مطر، والكلام اللي بينا متأجل من ليلة ما ركبت معايا إنت وداليا من قدام الفندق.
وشه اتغير تماماً، كأن الدم هرب من عروقه:— إنتي... إنتي كنتي السواقة في الليلة دي؟!— كنت السواقة اللي رميتلها ميتين جنيه وقلتيلها "خلي الباقي معاكي"... نفس الميتين جنيه اللي شيلتها في التابلوه علشان اللحظة دي بالظبط. فاكر كلامك يا كريم؟ "عمرها ما هتكتشف إحنا عملنا إيه... ريم طيبة وبتثق فيا زيادة عن اللزوم... المعروف اللي عملته مع القاضي خلص كل حاجة"؟
حط إيده على دماغه، وبدأ يتنفس بسرعة وكأنه هيجيله أزمة قلبية:— ريم. .. اسمعيني... الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة، أنتي فاهمة كلامنا غلط! داليا كانت بتضغط عليا، وأنا مكنتش في وعيي، الشغل كان فيه مشاكل وخسارة...قاطعته بضحكة هادية وساقعة، ضحكة خلت ضهره يلزق أكتر في الكرسي اللي ورا:— خسارة؟ البنك المركزي ومدير الفرع الرئيسي مبيقولوش كدة يا مدير مالي يا عبقري.
التحويلات اللي طلعت لدبي باسم الشركة الوهمية اللي أنتي عاملها، والتوكيلات المزورة اللي اترفضت إدارياً علشان غلطة غبية من محاميك، والضرايب والملايين اللي لبستهالي وأنا ماعرفش عنها مليم. .. ده كله كان "مشاكل شغل"؟سكت، الصدمة شلت لسانه. اكتشف في اللحظة دي إن الست اللي قاعدة قدامه مش هي ريم اللي كانت بتبكي على عتبة باب شقتها وهي بتلم هدومها في شنطة سفر، مش هي البنت اللي كانت بتصدق كل كذبة بيقولها بمجرد ما يطبطب على كتفها.
حاول يغير نبرته، نزل صوته للطريقة اللي كان دايماً بيستعملها زمان علشان يهديني أو يستعطفني:— ريم. .. إنتي عارفة أنا بحبك قد إيه، وعشرة اتناشر سنة متتهنش كدة. داليا ورطتني، هي اللي كانت ماسكة الحسابات وخططت لكل حاجة، كانت بتهددني بملفات في الشغل... أنا مستعد أصلح كل حاجة، كل مليم راح منك هيرجع، وحقك عندي، هحولك الفلوس بكرة الصبح بس متعمليش حاجة تضيعنا وتضيعك معايا!
أنتي لو بلغتي عن الحسابات دي هتتسجــ,,ـــــني معايا لأن اسمك لسه شريك متضامن! هنا دوست فرامل فجأة على جنب طريق هادي ومظلــ,,ـــــم في أطراف المعادي الجديدة. التفت له بكامل جسمي لأول مرة، بصيت في عينيه من مسافة قريبة، وقلتله بكلمات تقيلة ومحسوبة زي الرصاص:— ده كان كارت التهديد اللي إنت فاكر إنه هيمسكني، صح؟ فاكر إني هخاف من السجــ,,ـــــن فأسكت وأسيبك تتهنى بالملايين إنت والهانم؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.